البُعد الديني.. في ثقافة المستقبل

0
317

تطرح حالة المابعديات والسيولة وعدم اليقين والعنف والإرهاب وأشكال الكراهية الدينية والمذهبية والثقافية إزاء الآخر، عديد الأسئلة حول تشكلات ثقافة المستقبل ومكانة المكون والبُعد الديني – أيًا كان – داخلها، في ظل عالم من الصراعات والتوترات والتناقضات والشعبوية والتفاهة لدى بعض النخب السياسية في عالمنا الكبير، أحد أبرز هذه الأسئلة تتمثل فيما يلي:

ما هي ملامح تشكلات ثقافة المستقبل؟ ما هو المكون الديني داخلها؟ ما هي التحديات التي ستواجه العقل والفكر الديني في عالم سريع التحول والتفكك في بنياته الحداثية الفائقة أو ما بعد بعدها؟ السؤال المطروح ما المقصود بثقافة المستقبل؟ بداية نقصد بثقافة المستقبل المركب من بنيات «المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والأعراف، والعادات الجديدة» -، وذلك وفق تايلور في تعريفه الذائع – وهي أنماط ثقافية جديدة ستتشكل مع طبيعة التغيرات والتحولات التي سيشهدها عالمنا المستقبلي، والتي يمكن لنا تحديد بعض معالمها الرئيسة في ضوء التفاعلات والتشكلات الحالية فيما يلي: 1- ثقافات المابعديات، التي تشهد أنظمتها المختلفة التداخل ما بين الثقافات الحداثية وما بعدها، وتحولات ما بعد بعدها، حيث ستبدو التناقضات والصراعات ما بين هذه الأنماط الثقافية – القيمية والأخلاقية والهندسات القانونية، والرموز والعادات وطقوس الحياة اليومية المشتركة داخل مجتمعات عالمنا على تنوعها وتمايزاتها وبعض موحداتها وهذا العالم المابعدي المتغير – ما بعد الثورة الصناعية الثالثة إلى الرابعة وما بعد العولمة، وما بعد بعد الحداثة.

2- التحول من الكتابية إلى الرقمية في اللغة والعلامات والرموز والتعبيرات وأساليب السرد وأنماط التفكير والمقاربات المختلفة للظواهر الاجتماعية والسياسية والدينية.

3- التزاوج والتفاعل والتناقض والتوتر بين الفعلي والرقمي وفي السلوك اليومي والعلاقات الاجتماعية – الحب والصداقة والجنس والأخلاق والعادات اليومية والاعتقادات والتحولات الدينية والمذهبية -، وفي أنماط التفكير وإنتاج الأفكار والمعايير وقواعد الضبط الاجتماعي.

4- رقمنة العمل وأثرها على تنظيمه ومعناه وتحولاته على نحو سيؤدي إلى خروج أشكال وأنماط من العمل الحديث إلى ما يتجاوزها ومعها خروج مئات الملايين بل مليارات من العاملين إلى دوائر البطالة.

5- تزايد وتسارع بناء الشبكات الرقمية، وتشظياتها وتعقدها بحيث تتحول الفردنة الفعلية إلى علاقات عوالم وانتماءات شبكية عابرة للثقافات، ومتعددة المحاور والاهتمامات والموضوعات والأهواء والغوايات ..إلخ.

ستتأثر الأبنية والهندسات القانونية وقواعد الضبط الاجتماعي بالثقافة الرقمية، وستتزايد أشكال الجنوح الإجرامي من المجال الفعلي والواقعي إلى الشبكات والعلاقات وأنماط السلوك الجانح إلى المجال الرقمي، على نحو ما بدأ يظهر ويتمدد من أشكال الجرائم الرقمية، وآثارها الخطيرة على الأمن بأنماطه المختلفة. السؤال الذي نطرحه هنا، ما أثر ذلك على المكون الديني في العالم المابعدي؟

سوف يستمر دور المكون الديني في بعض الأنساق الأخلاقية والقيمية لارتباطه بأسئلة الوجود والعدم والحياة والموت، ودوره في بناء التوازنات النفسية والأخلاقية للأجيال الأكبر سنًا، والوسيطة كي تواجه تحولات ضارية وصعبة التمثل والتكيف معها، فضلاً عن عديد التحديات الصعبة التي تطرحها ثقافة المستقبل على الأديان والمذاهب والعقل والفكر الديني، ويمكن لنا طرح بعضها فيما يلي: أولاً: تحدي الشعبوية السياسية وصعود سلطة المديوكر والمنيوكر في الطبقات السياسية الحاكمة في أمريكا وأوروبا، وصراعها مع مؤسسات الدولة الأساسية، ولجوء بعض النخب السياسية إلى الخطاب الشعبوي الذي يخاطب الدوافع الرئيسية لدى شرائح اجتماعية عريضة يخايلها الخوف والبطالة والاستبعاد من النظام الاجتماعي والحياة عند الحافة، ومن ثم تبدو هذه النزعة الشعبوية ومحاولة العودة إلى الخطاب القومي مرشحه للازدياد في الأجلين القصير والمتوسط، على نحو يستدعي الدين والإسلام والإسلاموفوبيا كهدف للتصويب.

ثانيًا: الفجوة بين رجال الدين والمؤسسات الدينية وبين الأجيال الجديدة الشابة، وبين التفسيرات والتأويلات الموروثة وبين الأسئلة والظواهر الجديدة في العالم المابعدي.

ثالثاً: تحدي الحريات الدينية والانتقال والتحول من أديان ومذاهب إلى أخرى، أو إلى اللاتدين والإلحاد.

رابعًا: تحدي الاستنساخ والثورة الجينية والأسئلة التي ستطرحها على المنطق الديني التقليدي في بعض الأديان والمذاهب.

خامسًا: تحدي الانتقال من الشفاهية والكتابية في التفكير والدعوة والتبشير واللاهوت والفقه إلى الرقمية – كمقاربة ولغة ورموز وتمثل – وإلى ظهور أشكال من المحاكاة الساخرة للنصوص الدينية التأسيسية من قبل بعض من غير المؤمنين بالأديان والعياذ بالله.

سادسًا: تحدي الصراعات بين الكتل الدينية الكبرى على الضمير الإنساني، ناهيك عن تحدي تكيف هذه المؤسسات وقادتها مع تحولات ثقافة المستقبل، من حيث تكوين الأكليروس والدعاة واللاهوتيين والفقهاء والمفسرين.

سابعًا: تحدي الثورات التقنية وفي مجال العلوم الطبيعية، ومشكلة صياغة أخلاقيات جديدة للعلم.


Warning: A non-numeric value encountered in /home/afkarnat/public_html/arabmedia.today/wp-content/themes/Newspaper/includes/wp_booster/td_block.php on line 1009

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here